السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

100

مختصر الميزان في تفسير القرآن

أيضا بثيابهم عند استخفائهم بثني الصدور فذكر اللّه سبحانه ذلك وأخبر أنه تعالى يعلم عند ذلك ما يسرّون وما يعلنون فما يغنيهم التخفي عن استماع القرآن واللّه يعلم سرّهم وعلانيتهم . وقيل : إن المراد باستغشائهم ثيابهم هو الاستغشاء في بيوتهم ليلا عند أخذ المضاجع للنوم ، وهو أخفى ما يكون فيه الانسان وأخلى أحواله ، والمعنى : أنهم يثنون صدورهم ليستخفوا من هذا الكتاب عند تلاوته عليهم ، واللّه يعلم سرّهم وعلانيتهم في أخفى ما يكونون عليه من الحال وهو حال تغشيهم بثيابهم للنوم ، ولا يخلو الوجه من ظهور . قوله تعالى : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها إلى آخر الآية ، الدابّة على ما في كتب اللغة كل ما يدبّ ويتحرّك ، ويكثر استعماله في النوع الخاص منه ، وقرينة المقام تقتضي كون المراد منه العموم لظهور أن الكلام مسوق لبيان سعة علمه تعالى ، ولذلك عقّب به قوله : « أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ » . وهذا المعنى أعني كون ذكر وجوب رزق كل دابة على اللّه لبيان سعة علمه لكل دابة في جميع أحوالها يستوجب أن يكون قوله : وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها بمنزلة عطف التفسير لقوله : عَلَى اللَّهِ رِزْقُها فيعود المعنى إلى أن كل دابة من دواب الأرض على اللّه أن يرزقها - ولن تبقى بغير رزق - فهو تعالى عليم بها خبير بحالها أينما كانت فإن كانت في مستقر لا تخرج منه كالحوت في الماء وكالصدف فيما وقعت واستقرت فيه من الأرض رزقها هناك وإن كانت خارجة من مستقرها وهي في مستودع ستتركه إلى مستقرّها كالطير في الهواء أو كالمسافر الغارب عن وطنه أو كالجنين في الرحم رزقها هناك وبالجملة هو تعالى عالم بحال كل دابة في الأرض وكيف لا وعليه تعالى رزقها ولا يصيب الرزق المرزوق إلّا بعلم من الرازق بالمرزوق وخبرة منه بما حلّ فيه من محل دائم أو معجّل ومستقر أو مستودع . وأما قوله : عَلَى اللَّهِ رِزْقُها فهو دال على وجوب الرزق عليه تعالى وقد تكرر في